الشيخ عبد الغني النابلسي

122

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

ولما أوجده ، أي آدم عليه السلام باليدين معا سماه تعالى بشرا فقال سبحانه : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً [ الحجر : 28 ] من طين للمباشرة اللائقة ، أي المناسبة بذلك الجناب الإلهي القديم المنزه عن مشابهة كل شيء باليدين متعلق بالمباشرة المضافتين ، أي المنسوبتين إليه تعالى على حد ما يعلمه هو سبحانه من ذلك لا على حد ما نعلمه نحن ، لأن الحادث لا يعلم من القديم إلا ما يليق بحدوثه ، ولولا الإيمان بالغيب لتساوى المسلم والكافر . وجعل تعالى ذلك الفعل من عنايته ، أي اعتنائه بهذا النوع الإنساني ، لأنه ذكره في معرض التفضيل والمنة عليه فقال اللّه تعالى : لمن أبى ، أي امتنع عن السجود له ، أي لآدم عليه السلام وهو إبليس ما منعك ، يعني أي شيء كان مانعا لك أن تسجد ، أي عن سجودك لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ بتشديد الياء الثانية تثنية يد أستكبرت ، أي تكبرت على من هو مثلك وهو آدم عليه السلام يعني عنصريا ، أي مخلوقا من العناصر الأربعة أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ [ ص : 75 ] جمع عال وهو المرتفع عن كثافة العنصر ولست ، أي يا إبليس كذلك ، أي من الملائكة العالين الذين لم يؤمروا بالسجود لآدم عليه السلام لعدم معرفتهم به من كمال استغراقهم في شهود اللّه تعالى . ونعني ، أي نريد نحن معشر العارفين بالعالين كل من علا ، أي ارتفع بذاته عن أن يكون في نشأته ، أي خلقته النورية عنصريا ، أي منسوبا إلى العنصر وإن كان في نشأته طبيعيا ، أي منسوبا إلى الطبيعة فما فضل الإنسان غيره من جميع الأنواع العنصرية ، أي المخلوقة من العناصر الأربعة إلا بكونه ، أي ذلك الإنسان بشرا مخلوقا من طين فهو ، أي البشر من الطين أفضل نوع من كل ما خلق من العناصر الأربعة وما تولد منها من غير مباشرة باليدين الإلهيتين فالإنسان في الرتبة فوق الملائكة الأرضية ودخل فيهم الجن لأنهم عنصريون والملائكة السماوية ، لأنهم من دخان العناصر المتولد منها هم وسمواتهم السبع . والملائكة العالون خير من هذا النوع الإنساني ، لأنهم طبيعيون لا عنصريون ، والطبيعة أقرب إلى الأمر الإلهي وألطف من العنصر بالنص الإلهي وهو هذه الآية في قوله تعالى : أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ، أي الذين لم يؤمروا بالسجود لآدم عليه السلام ، لأنهم أفضل من هذا النوع الإنساني وخير منه لا أنت خير منه ردا لقوله : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ الأعراف : 12 ] . * * *